عباس حسن
22
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
ولهم في اسم الجنس الجمعىّ - من ناحية أنه جمع تكسير ، أو أنه قسم مستقل بنفسه - آراء متضاربة ومجادلات عنيفة ؛ لا خير فيها ، وإنما الخير في الأخذ بالرأي القائل : إنه جمع تكسير « 1 » . وهو رأى فيه سداد ، وتيسير ، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة ، أو خروج على قاعدة من قواعدها ، وأحكامها السليمة . هذا من جهة الجمع أو عدمه . بقي الكلام في المراد من : « اسم الجنس » والمعنى الدقيق له . وفيما يلي إشارة موجزة إليهما « 2 » : إن كلمة مثل كلمة : « حديد » تدل على معنى خاص ؛ هو : تلك المادة المعروفة ، وذلك العنصر المفهوم لنا . فمن أين جاء لنا فهمه ؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره في باطنه ؟ رأينا قطعة من الحديد أول مرة ، ثم قطعة أخرى بعد ذلك ، ثم ثالثة ، فرابعة ، فخامسة ، . . . ولم نكن نعرف الحديد ، ولا اسمه ، ثم استعملنا تلك القطع في شئوننا ، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية ؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعا من صنفها فإننا نعرفها ، ولا تكون غريبة على عقولنا ، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمى به هذا الصنف . . . فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر ( أي : من صنف آخر ) كالذهب ، ولم نكن استعملناه في شئوننا - وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية ؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه ، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد ، ونتصور معناه تصورا عقليّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطع والنماذج ؛ فوضعنا للجنس الأول اسما هو : « الحديد » ، ووضعنا للجنس الثاني اسما يخالفه هو : « الذهب » . فالحديد اسم لذلك الجنس ( الصنف المعروف ) ، وكذلك « الذهب » ، وغيرهما من أسماء الأجناس . . . وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة : « الذهب » أو « الحديد » ندرك المراد منها إدراكا عقليا بحتا ، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص ، من غير ربط - في الغالب « 3 » - بينها وبين شئ آخر
--> ( 1 ) راجع الأشمونى ، وهامش التصريح ، وشرح الشذور عند الكلام على المسألة المذكورة . ( 2 ) أما التفصيل ، وبسط الإيضاح فمكانهما ص 259 من باب العلم ، ( في النكرة والمعرفة ) . ( 3 ) لأن اسم الجنس الآحادى الذي سيجئ الكلام عليه يرتبط بصورة فرد من أفراده .